فخر الدين الرازي

42

تفسير الرازي

أما قوله تعالى : * ( وقد بلغني الكبر ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : الكبر مصدر كبر الرجل يكبر إذا أسن ، قال ابن عباس : كان يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت تسعين وثمان . المسألة الثانية : قال أهل المعاني : كل شيء صادفته وبلغته فقد صادفك وبلغك ، وكلما جاز أن يقول : بلغت الكبر جاز أن يقول بلغني الكبر يدل عليه قول العرب : لقيت الحائط ، وتلقاني الحائط . فإن قيل : يجوز بلغني البلد في موضع بلغت البلد ، قلنا : هذا لا يجوز ، والفرق بين الموضعين أن الكبر كالشئ الطالب للإنسان فهو يأتيه بحدوثه فيه ، والإنسان أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه ، أما البلد فليس كالطالب للإنسان الذاهب ، فظهر الفرق . أما قوله * ( وامرأتي عاقر ) * . اعلم أن العاقر من النساء التي لا تلد ، يقال : عقر يعقر عقراً ، ويقال أيضاً عقر الرجل ، وعقر بالحركات الثلاثة في القاف إذا لم يحمل له ، ورمل عاقر : لا ينبت شيئاً ، واعلم أن زكريا عليه السلام ذكر كبر نفسه مع كون زوجته عاقراً لتأكيد حال الاستبعاد . أما قوله * ( قال كذلك الله يفعل ما يشاء ) * ففيه بحثان الأول : أن قوله * ( قال ) * عائد إلى مذكور سابق ، وهو الرب المذكور في قوله * ( قال رب أنى يكون لي غلام ) * وقد ذكرنا أن ذلك يحتمل أن يكون هو الله تعالى ، وأن يكون هو جبريل . البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " * ( كذلك الله ) * مبتدأ وخبر أي على نحو هذه الصفة الله ، ويفعل ما يشاء بيان له ، أي يفعل ما يريد من الأفاعيل الخارقة للعادة . قوله تعالى * ( قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّىءَايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ باِلْعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ وإذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على